• 4:01:32 PM
  • اجعلنا صفحتك الرئيسية

أخر الأخبار
الصفحة الرئيسية فكر و مفاهيم الحل الرؤية الفكرية لمفهوم " الإصلاح " لدى...
  • المشاهدات: 73595
  • |
  • التعليقات: 0

الرؤية الفكرية لمفهوم " الإصلاح " لدى حركة الحل

24-08-2013 01:51 PM

 

الإصلاح من أكثر الكلمات ، تداول في السنوات الأخيرة ، وذلك يعود إلى ماتعانيه مجتمعاتنا ، من تراجع كبير في مجالات التنمية ، وتردي العلاقات السياسية ، واهتزاز واختلال منظومة القيم الأخلاقية والإجتماعية على نحو غير مسبوق . ويأتي الإحتلال الأمريكي للعراق بمثابة التتويج الرسمي لهذا التدهور والإنحطاط ، وشاهد عًدل على وهًن الأمة وتخلفها .. و الإصلاح في اللغة ، ضد أو عكس الفساد والإفساد ، واصطلاحا هو الإرادة الباحثة عن الخير وتقويم الإعوجاج ..
والسؤال هنا ، هل مفهوم الإصلاح ، يٌعطي جميع من تداوله ، دلالة واحدة ؟ بمعنى ، هل جميع من يتداول هذه المفردة أو هذا المصطلح ' المفهوم ' يًعني نفس المعنى الذي يعطيه إياها الآخر ؟ .. الجواب بالقطع ، هناك تباين واختلاف في التفسير . والسبب بالأساس يعود إلى أن مفهوم الإصلاح في نهاية الأمر هو مفهوم فكري ، يمتلك دلالته الخاصة لدى كل فئة من فئات المجتمع . فما يسميه البعض إصلاح ، هو عند الآخر تخريب ، وما يسميه الآخرون تقدم ، هو عند الآخرين قد يعتبر تراجع . كل ذلك يعتمد على الرؤية الفكرية لدى كل شريحة أو فئة إجتماعية . ونعني بالرؤية الفكرية ، مجموعة القيم والتقاليد والعادات والأفكار التي لدى الأفراد والجماعات ، والتي من خلالها تتعامل مع ذاتها ومع الآخر والمجتمع والكون .. وعموما فإن مصطلح الإصلاح بالمفهوم الفطري العام ، يتجسد في الإرادة الخيرة لتقويم الأعوجاج وتصحيح الخطأ .
إن جميع المصلحين وعبر التاريخ ، كان شعارهم الدائم والمعبر عن جوهر رسالتهم هو الإصلاح . حيث أن قيام المجتمع على أساس من الإصلاح ، ونهوض قواه ونخبه وطلائعه وأبنائه بواجب الإصلاح ، سبب رئيس في بناءالمجتمعات واستمرارها ونماءها ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) . فالنفس الإنسانية ، دونما طمس لوعيها أو لفطرتها المشتركة ، تمقت الركود والركون إلى الدعة والكسل ، وكذلك التنميط وعدم الفاعلية . كما تكره الظلم والقهر والإستبداد والفساد بجميع صوره ومستوياته .. الذات البشرية السوية ، تميل فطريا وإراديا إلى الحركة والنشاط والفاعلية لتحقيق ما تصبو إليه . ومما لا شك فيه إن الحياة لا يمكن أن تستمر دون إصلاح ، فهي مطالبة دائما إلى مراجعة ذاتها و تخطي أزمتها .
لقد دخل مصطلح الإصلاح وصفاته ومجالاته المتعددة ـ السياسية والدينية والأخلاقية والإجتماعية والثقافية والتعليمية ـ إلى دائرة الفكر بكل ثقله ، وأصبحت المفردة الأكثر شيوعا في لغة الصحافة والمؤتمرات والخطابات الحزبية ، فثمة موجة لتوظيف المفهوم الذي بات يحمل الحلول السحرية لمشاكلنا وهمومنا المعقدة التي أنتجتها سياسات الفساد السياسي والإقتصادي ، وتحقير المعرفة طيلة العقود الماضية . فمنذ بداية عصر النهضة في القرن التاسع عشر، كان الهم الرئيس للنخب العربية هو الإصلاح ، سواء الإصلاح السياسي أم الديني أم الإصلاح الثقافي . وقد نهض بذلك رجال مصلحون كبار ، لا يتسع المجال لذكرهم ، واستمرت شعلة الإصلاح يحملها مفكرون مستنيرون ، من مصر والعراق وبلاد الشام وباقي أنحاء الوطن العربي . وفي بداية النصف الثاني من القرن العشرين ومع سيطرة الفكر الشمولي ، لم يعد لمصطلح الإصلاح مكان في عقول المتنورين والشباب ، فالهم المعرفي والحياتي في حينها تركز على مفهوم التغيير الإجتماعي المرافق لمصطلحات العنف والثورة ، وتركزت الدعوات على أولويات التغيير الإجتماعي والإقتصادي بالطرق الثورية ، مع الدعوة للتحرر الوطني من الإستعمار سياسيا واقتصاديا . ولكن وبسبب جبروت التحديات الإستعمارية والصهيونية ، أهملت قضايا الديمقراطية والحريات العامة ، أو أجلت ، أو طرحت بشكل يتماشى مع الأفكار الشمولية المسيطرة . إذ إحتدم الصراع في حينه بين مفهومين أو خيارين ، ' ثورة ' أم ' إصلاح ' ، وكانت في وقتها النزعة الثورية هي السائدة في المجتمع ، وبالتالي أصبح الإصلاح مذمة فكرية وسياسية . ولكن ذلك الصراع كان نتاج مرحلته الموضوعية والتاريخية التي فرضت رؤياها . إلا إن تلك التجارب التي سميت ثورية ، وبغض النظر عن النوايا ، أخفقت وتراجعت . وإن وقائع الحياة علمتنا ، إن غياب الديمقراطية ، لا يعني إلا شيئا واحدا ، هو الإخفاق ولا شيء غيره ، وإن الإصلاح كمفهوم هو الذي يجب أن يستمر . وهنا وفي هذه المرحلة المأزومة من حياة أمتنا ، علينا البحث عن المفهوم الإصلاحي الذي يناسب واقعنا ، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا . فالفكر السياسي يزخر بمفاهيم ومصطلحات ، بعضها يعكس ثوابت نمطية ، عابرة للثقافات السياسية واختلافاتها ، مثل مفهوم اليسار واليمين والأحزاب وجماعات الضغط ، ومثل هذه المصطلحات والمفاهيم عادة ما يكون لها المعنى والمدلول السياسي نفسه . وهناك مفاهيم سياسية ، تعبر عن الأوضاع والمعطيات في حقبة زمنية معينة ، وقد تعكس إسقاطات ذات طابع سياسي متحرك ، أو إشارات إلى تشخيص الواقع من وجهة نظر سياسية مقصودة ، بإسم الأصلاح . فالإصلاح ، وبالذات في المنظور السياسي ، تعبير رمزي عن حقبة زمنية ، أقل ما يقال عنها ، إنها غير مرضي عليها ، وقد تتسع دائرة وصفها إلى حد الفساد بأشكاله المتعددة ، فيستعان بمفهوم الاصلاح وتطبيقاته وسياساته لتعديل ذلك الوضع السيء والخاطىء ، وتدشين نموذج أفضل معياريا وموضوعيا . وفي هذا السياق لا بد من التنويه ، بأن الإصلاح الذي نقصده ونعنيه ، ليس الإصلاح التدريجي البطيء ، بل الإصلاح الذي يستهدف إزالت المعوقات السياسية والإقتصادية والمعرفية التي تقف حيال تطورنا السريع ، حيث لم يتبقى أي وقت مستقطع لدى دولنا وشعوبنا يسمح لها بالإنتظار أكثر .
إن مفهوم الإصلاح ، رغم رواجه اليوم في الساحة السياسية العراقية ، إعلاميا وحزبيا ، لم يسلم من العبث والتحريف ، وأحيانا من التضليل والإستغلال ، كغطاء لتبرير بعض المواقف والسياسات . وفي حالات أخرى يستخدم مفهوم الإصلاح للدفاع عن بعض السياسيين المتنفذين سلطويا ، عندما يتم إتخاذ بعض القرارات التي من شأنها التأثير في الواقع العام . وبذلك يتحول مفهوم الإصلاح إلى مجرد عُرف وترديد خطابات ، دونما وعي حقيقي أو إدراك لمعنى هذه الحكمة .
إن الإصلاح الذي نعنيه لم يأتي من فراغ ، أو إستغفالا لحركة التاريخ ، و تغييب للواقع ومصادرته ، أو إلباسه ثوبا غير ثوبه ، وإنما هو الإصلاح الذي يأتي إكتشافا لوعي حضاري ، لا يكتفي بالحاجة الى إخراج العراق من كهف المأساة ، وظلمة القهر ، ومستنقع الفساد فحسب ، بل إصلاح يتبنى مشروعا وطنيا مستقبليا شاملا ، يستهدف إدخال المجتمع العراقي إلى الحداثة وروح العصر. إصلاح يأخذ ، بمفهوم ، ' المنظومة المتكاملة ' ، بحيث يكون هناك إندماج ذاتي في كونية القيم والمفاهيم المؤسسة لأي تغيير يهدف إلى تنمية الإنسان والنهوض بالمجتمع . فإلى جانب القيم الإصيلة في مجتمعنا ، لا بد من إندراج المشروع الإصلاحي في منظومة القيم الكونية ، مثل الديمقراطية والحداثة والتنمية وحقوق الإنسان ، مع المحافظة على خصوصية البلاد وثوابتها العقدية في التعامل مع هذه القيم .. إن مشروعا إصلاحيا حضاريا كهذا ، برأينا يمتلك القدرة على إستشراف مستقبل مشرق للعراق والعراقيين .

  • المشاهدات: 73595
  • |
  • التعليقات: 0
لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الحل نيوز بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الحل نيوز علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :